لعنة السُلطة المطلـْقة

لعنة السُلطة المطلـْقة

هل الكل شَريف ومتزن أم أن لحظة الكشف عن الجانب السيء الدفين لم تزره بعد؟؟.

في أغسطس عام 1971م قام عاِلم النفس الأمريكي (فيليب زيمباردو) بعمل تجربة عن مدى تأثير الأدوار والبيئة على النفس البشرية وهل طباع الشخص الحسنة هتطفوا على البيئة السيئة ولا المناخ السيء قادر إنه يسحب نفوس البشر لقاع من الدمار؟؟ ، وعلى الأساس ده تم اختيار بيئة قد تكون الأسوأ .. بيئة السجن.
قام (زيمباردو) بتجهيز قبو متواجد في جامعة (ستانفورد) علشان يكون سجن تحت الأرض محاكي لسجن حقيقي بعد دراسته لطبيعة الحياة والشخصيات الحقيقية المتواجدة داخل السجن وساعدوا في ده ناس خدمت في السجون الأمريكية بالإضافة للتمويل اللي تم المساهمة بيه عن طريق البحرية الأمريكية وبكده بدأ (زيمباردو) الإستعداد الفوري لتجربته عن طريق إعلان مطلوب فيه متطوعين مقابل حصول الفرد على مبلغ قدره 15 دولار يوميًا وإن التجربة هتكون لمدة أسبوعين.
وصل عدد المتطوعين لسبعين شخص ، تم اختيار 24 منهم كانوا كلهم طلبة جامعيين بعد خضوعهم للمقابلات واختبارات محددة للتأكد من سلامتهم النفسية وخلو سجلهم الإجرامي من أي حاجة .. يعني من الآخر تم اختيار ناس طبيعية جدًا.
تم تقسيم المتطوعين لمجموعتين بالتساوي .. مجموعة بتمثل المساجين والتانية بتمثل الحراس وده كله تم بشكل عشوائي وقبل ما تبدأ التجربة بيوم اجتمع (زيمباردو) بالحراس وبلغهم إنهم هيحافظوا على القانون والنظام وفي حالة هروب أو خروج المساجين هتنتهي التجربة وأخبرهم كمان بعدم استخدامهم للعنف الجسدي مع ضرورة إخافة المساجين باستمرار لخلق فكرة إنهم – الحراس وإدارة السجن – مسيطرين على حياتهم .. من الأخر كده قالهم إنهم بيملكوا السيطرة الكاملة عكس السجناء اللي ما يملكوش أي حاجة .. وبدأت التجربة في اليوم التالي.
كانت أول خطوات (تجربة ستانفورد) هي تحويل الأشخاص من طبيعتهم المعروفة عنهم للأدوار المطلوبة منهم في التجربة. وده تم عن طريق إرسال أفراد الشرطة للقبض على الـ 12 شخص اللي هيلعبوا دور السجناء وتم تنفيذ عمليات الاعتقال بشكل طبيعي بداية من تسجيل لحظة القبض على المتهمين – اللي هما في الأساس متطوعين – مرورًا بأخذ بصماتهم لحد ما تم نقلهم معصوبي العين للسجن محل التجربة وتعريتهم وتفتيشهم ومنحهم هويات جديدة مع ربط رجليهم بسلاسل حديدية لتقييد حركتهم.
كانت الملابس اللي ارتداها المساجين بتحتوي على أرقام بحيث كان لكل سجين منهم رقمه الخاص به وبكده تم إلغاء هويته المتعارف عليها في الحقيقة وأصبح بيشار لكل واحد منهم برقم مع تحذيرهم من استخدام أساميهم الحقيقية .. وبقى السجين هنا عبارة عن رقم.
أما بالنسبة للأشخاص اللي لعبوا دور الحراس فكانت ملابسهم عبارة عن بدل عسكرية بالإضافة لإمدادهم بعصي وصفارات ونضارات شمسية لمنع أي تواصل بصري بينهم وبين السجناء ، وتم تقسيمهم لثلاث ورديات .. ولعب (زيمباردو) دور مدير السجن.
بسرعة رهيبة عكس ما كان متوقع (زيمباردو) اشتعلت التجربة لما بدأ عصيان بعض السجناء في اليوم التاني عن طريق غلق أبواب غرفهم بالسراير وسبهم للحراس وكان السجين رقم (8612) واحد من قادة التمرد واللي تم وضعه في الحبس الإنفرادي.
تم فض حالة العصيان بعد ما قام الحراس المتواجدوين في خدمتهم باستدعاء زمايلهم اللي في فترة الراحة وعن طريق استخدامهم طفايات الحريق أطلقوا تيارات من غاز ثاني أكسيد الكربون وقدروا يفتحوا الغرف ويسيطروا على الوضع.
بسبب حالة التمرد اللي حصلت أصبح الحراس أكتر عنف وبدأوا يستغلوا سلطتهم في مضايقة المساجين عن طريق إنهم يصحوهم مثلًا في منتصف الليل بصفارتهم المزعجة مع استخدام ألفاظ وشتايم للتقليل من شأن السجناء وإلقاء الأوامر عليهم بتنضيف الحمامات بإيديهم ثم أمرهم بعمل تمارين رياضية ويهينوهم وقتها كمحاولة منهم لتوصيل رسالة للمساجين إنهم – الحراس – أصحاب اليد العليا بالمكان.
في الوقت نفسه تم التعامل مع المساجين الغير متورطين في التمرد بشكل مختلف .. يعني بعض الإمتيازات وعدم المضايقات ووصفوهم بإنهم خلية نموذجية.
كل اللي حصل ده أثر بالسلب على زعيم التمرد اللي توجه لـ (زيمباردو) وطلب منه إنهاء دوره في التجربة والسماح ليه بالمغادرة واللي كان رده إنه هيبلغ الحراس بعدم مضايقته بشكل شخصي في مقابل إنه يكون جاسوس على زمايله المساجين .. وطلب منه ياخد وقته ويفكر في العرض ، وكان الغريب من زعيم التمرد إنه لما رجع الزنزانة مع زمايله بلغهم إنهم مش هيسمحوا ليهم بالمغادرة .. وبدأ في الإنهيار والصراخ.
استمر وضع السجين رقم (8612) في السوء أكتر وأكتر وعانى من اضطراب مفرط وطلب الخروج وإنهاء دوره في التجربة ، وبالفعل تم الإفراج عنه.
فور الإفراج عن السجين رقم (8612) انتشرت إشاعة بأنه هيرجع تاني للسجن مع مجموعة من أصدقاؤه لتحرير زملاؤه المساجين ، وهنا قرر (زيمباردو) بتفكيك السجن ونقله لمكان تاني سري في جزء آخر من المبنى .. وقد كان.
في المكان الجديد زادت حدة الحراس وهيمنتهم ومضايقاتهم للمساجين كنوع من العقاب على التفكير في الهروب أو التمرد ، وبالرغم من ده ظهر المتمرد التاني بالمكان .. سجين رقم (819) ودخل في نوبة انهيار وطلب الخروج من التجربة.
بعد مقابلة بين المتمرد التاني و (زيمباردو) طلب فيها الأول الإفراج عنه وافق (زيمباردو) وبمجرد ما باقي المساجين عرفوا بالخبر بدأوا يهتفوا إن زميلهم رقم (819) أكيد عمل حاجة كَوشاية أو ما شابه ذلك للخروج من المكان وهنا بكى السجين رقم (819) ورفض الخروج ولما اتسأل عن السبب قال علشان ما يظهرش قدام زملايه المساجين إنه مسجون فاسد!!.
بسبب الممارسات تحول معتقـَد طالب جامعي سوي إلى كونه شخص مذنب وفاسد ، وفي الوقت ده بلغه (زيمباردو) بإن الموضوع كله تجربة .. ولا هو سجين ولا هما في سجن ، وقرر السجين الخروج وتم إطلاق سراحه.
بعد حالات الإفراج دي وفي اليوم التالت من التجربة بدأوا يستدعوا اللي كانوا على قوائم الإنتظار من الأشخاص اللي قدموا من البداية وفور انضمامهم للتجربة شعروا بصدمة رهيبة ولما حاولوا يتكلموا مع المساجين اللي سبقوهم ويفكروا بالخروج قالوا ليهم إنهم في سجن حقيقي وعملية الخروج مش سهلة.
في الوقت ده كان بيزيد نفوذ وجبروت الحراس عن طريق واحد منهم إسمه (ديف إيشلمان) واللي وصفه (زيمباردو) بإنه كان مبدع في شروره وبيتفنن في إهانة وإذلال السجناء ، ولكن الأغرب هنا كان ردة فعل الحراس التانيين اللي ما قدروش حتى يرفضوا اللي بيحصل فكانوا بيقوموا بحاجة من الاتنين .. يا إما الإبتعاد عن الأعمال الغير آدمية دي عن طريق انشغالهم بتجهيز الأكل للمساجين أو الأمور المشابهة أو الإنسياق خلف الأفعال الحيوانية تدريجيًا.
أما بالنسبة للمساجين فكانت حالة الإستسلام غريبة جدًا مع تقبلهم الإهانة والرضوخ اللي كان بيأدي لتمادي الحراس في أفعالهم الوحشية بصورة بشعة ، لحد ما انفجر السجين رقم (416) أخيرًا واللي كان واحد من الوافدين الجدد اللي تم تبديلهم وأعلن التمرد والعصيان ودخل في اضراب عن الأكل والشرب.
في البداية حصلت حالة من الصدمة عند الحراس .. إزاي المساجين اللي معانا من أول التجربة مستحملين والسجين الجديد ده يهد كل اللي حصل بعد أول يوم ليه ، وهنا قرر (ديف إيشلمان) حبس السجين رقم (416) في حبس انفرادي مع فكرة شيطانية وهي معاقبة باقي المساجين بسبب حالة الإضراب اللي قام بيها زميلهم.
بعد انتهاء معاقبة السجناء واللي أصبحوا مشحونين ضد زميلهم – اللي ما عملش ليهم حاجة على الإطلاق – قرر (ديف إيشلمان) استخدامهم في مضايقة السجين في حبسه عن طريق ضربهم لباب زنزانته بكل قوتهم أكتر من مرة وبث حالة من الهلع في قلب السجين .. وقد كان.
استمرت محاولات اقناع السجين رقم (416) في العدول عن فكرة إضرابه عن الأكل والشرب. ولكن كل المحاولات باءت بالفشل وصمم على إنه مكمل لحد ما يخرج من السجن. في الوقت اللي تم في تأييد زمايله على وصف الحراس ليه بإنه شخص مشاعب مثير للمشاكل!!.
أخر كارت وصل ليه (ديف إيشلمان) للضغط على السجين المضرب هو إنه خيّر زمايله المساجين قدامه إنه ممكن يطلق سراحه في حالة إن المساجين كلهم يسلموا بطانياتهم ويناموا على المراتب عارية أو يحتفظوا بيها ويفضل زميلهم السجين محبوس انفرادي ليوم إضافي.. وانتظر القرار.
تم التصويت من قِبل أربع مساجين بتلاتة ضد واحد باحتفظهم بالأغطية وبكده قرر (ديف إيشلمان) استمرار حبس السجين رقم (416) بعد رفض زملاؤه مساعدته.
وفي نهاية اليوم الخامس حدث انهيار تام لأربع مساجين وتم الإفراج عنهم على الفور وما زال السجين المتمرد في حبسه الإنفرادي.
وفي الوقت اللي كانت الباحثة (كريستينا ماسلاتش) بتزور المكان لاحظت طريقة اقتياد المساجين لدخول دورة المياة بهيئتهم الغير آدمية مع تغطية رؤوسهم بأكياس بلاستيكية. لعدم تمكنيهم من الرؤية وحصلت ليها حالة من الصدمة خصوصًا بعد ما شافت معاناة السجين رقم (416) وفي اليوم التالي واللي كان السادس من التجربة اللي كان من المفترض إن مدتها تكون إسبوعين تم إنهاءها قبل موعدها المحدد بتسعة أيام.
صرح بعد كده (زيمباردو) وقال إن من أكبر أخطاؤه في التجربة هي إنه وضع نفسه في دورين ما كانش ينفع يقوم بيهم شخص واحد .. دور العالِم النفسي مراقب التجربة ودور مدير السجن.
ده غير تصريحه الشهير لما قال كنا بنعتقد إن جوهر الطبيعة البشرية هي إن الأشخاص الطيبين ما يقدروش يقوموا بأفعال سيئة بل وإنهم هيسيطروا على أي وضع سيء ، ولكن التجربة أثبتت إن وضع الأشخاص الطيبين في الأماكن السيئة كانت نتيجتها خسارة الأشخاص الطيبين لطبيعتهم.
ولكن مين قال إن الأشخاص دي كانوا طيبين فعلًا .. غالبًا كانوا مخادعين جيدين ولكنهم ما كانوش بني آدمين جيدين ، فالكل شريف إلى أن تأتي العاهرة والحُكم بعد ذلك.
بعد انتهاء التجربة جمع (زيمباردو) كل اللي شاركوا فيها وأصبح السجان بدون سُلطة ولا نضارات شمسية ولا عصي في مواجهة المساجين بدون عُصابتهم السودة على عينيهم والقيد الحديدي حول رجليهم. علشان يعلن (ديف إيشلمان) على خوفه من مجرد تلاقي نظرات مع نظرات السجين رقم (416). وإن السُلطة اللي كانت معاه هي سبب مصدر قوته الوحيد في السابق.

وعلى فكرة في سنة 2003م وقت الغزو الأمريكي للعراق حصلت انتهاكات بشكل أوسع في سجن (أبو غريب) علشان يتم الربط بشكل كبير بين أحداث سجن (أبو غريب) وتجربة سجن (ستانفورد) واللي أظهرت الوجه القبيح من البشر في أوقات تملك السُلطة والنفوذ بدون ضابط أو رابط.

حول Adam

Adam

تصفح أيضاً

معاداة السامية

معاداة السامية أو معاداة اليهود

معاداة السامية أو معاداة اليهود معاداة السامية أو معاداة اليهود هو مصطلح يعطى لمعاداة اليهودية …

%d مدونون معجبون بهذه: